ابن بطوطة

287

رحلة ابن بطوطة ( تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار )

ثم سافرنا إلى مدينة كمش ( 1 ) وهي من بلاد ملك العراق مدينة كبيرة عامرة يأتيها التجار من العراق والشام وبها معادن الفضة . وعلى مسيرة يومين منها جبال شامخة وعرة لم أصل إليها ونزلنا منها بزاوية الأخي مجد الدين وأقمنا بها ثلاثاً في ضيافته وفعل أفعال من قبله . وجاء إلينا نائب الأمير أرتنا وبعث بضيافة وزاد . وانصرفنا من تلك البلاد فوصلنا إلى أرزنجان ( 2 ) وهي من بلاد صاحب العراق . مدينة كبيرة عامرة وأكثر سكانها الأرمن . والمسلمون يتكلمون بها التركية . ولها أسواق حسنة الترتيب . ويصنع بها ثياب حسان تنسب إليها . وفيها معادن النحاس ويصنعون منه الأواني والبياسيس التي ذكرناها وهي شبه المنار عندنا . ونزلنا منها بزاوية الفتى أخي نظام الدين وهي من أحسن الزوايا وهو أيضاً من خيار الفتيان وكبارهم أضافنا أحسن ضيافة . وانصرفنا إلى مدينة أرز الروم وهي من بلاد ملك العراق كبيرة الساحة خرب أكثرها بسبب فتنة وقعت بين طائفتين من التركمان بها . ويشقها ثلاثة أنهار . وفي أكثر دورها بساتين فيها الأشجار والدوالي . ونزلنا منها بزاوية الفتى أخي طومان وهو كبير السن يقال : إنه أناف على مائة وثلاثين سنة . ورأيته ينصرف على قدميه متوكئاً على عصا ثابت الذهن مواظباً للصلاة في أوقاتها لم ينكر من نفسه شيئاً إلا أنه لا يستطيع الصوم . وخدمنا بنفسه في الطعام وخدمنا أولاده في الحمام وأردنا الانصراف عنه ثاني يوم نزولنا فشق عليه ذلك وأبى منه وقال : إن فعلتم نقصتم حرمتي وإن أقل الضيافة ثلاث . فأقمنا لديه ثلاثاً . ثم انصرفنا إلى مدينة بركي ( 3 ) ووصلنا إليها بعد العصر فلقينا رجلاً من أهلها فسألناه عن زاوية الأخي بها فقال : أنا أدلكم عليها فاتبعناه فذهب بنا إلى منزله نفسه في بستان له فأنزلنا بأعلى سطح بيته والأشجار مظللة وذلك أوان الحر الشديد وأتى إلينا بأنواع الفاكهة وأحسن في ضيافته . وعلف دوابنا وبتنا عنده تلك الليلة . وكنا قد تعرفنا أن بهذه

--> ( 1 ) وضبط اسمها بضم الكاف وكسر الميم وشين معجم ( 2 ) وضبط اسمها بفتح الهمزة وإسكان الراء وفتح الزاي وسكون النون وجيم وألف ونون ( 3 ) وضبط اسمها بباء موحدة مكسورة وكاف معقود مكسور بينهما راء مسكن